نصر حامد أبو زيد

227

الاتجاه العقلي في التفسير

بالتحقق الفعلي . الأمر الثالث أن الخلق غير الإحداث ، وأن كل مخلوق محدث ، وليس كل محدث مخلوق أي أن المحدث قد يوجد لا لغرض ، وليس كذلك المخلوق 271 . وينكر أبو علي أن يكون المخلوق مشتقا من معنى هو الخلق ، بمعنى أنه يرفض تسوية أبي هاشم بين الخلق والإرادة ، ويسوي بين الخلق والتقدير . ويتفق القاضي مع أبي علي « وقد بيّنا أن القول بأن هذه الصفة مشتقة من معنى يبعد ، وأن الذي قاله أبو علي ، رحمه اللّه ، في هذا الباب أولى وأقرب إلى التعارف والاستعمال . وبيّنا أن ما يحتج به ، رحمه اللّه ، ( يعني أبا هاشم ) في أنه اشتقاق من قول الشاعر : وبعض القوم يخلق ثم لا يفري إنما يريد به أنه يخلق ما يفعله في الادم من التقدير ، لا أنه أراد به أنه يريد ولا يقطع » 272 فالخلق - عند أبي علي وعبد الجبار - فعل وليس معنى ، بعكس الإرادة التي هي معنى . وإذا كان أبو هاشم قد فهم البيت على أساس أنه يريد ولا يقطع ، ويكون معنى الخلق عنده هو الإرادة ، فان أبا علي والقاضي قد فهما البيت على أساس أن الخلق هو فعل ما سبق تقديره . وبناء على ذلك لا بأس لدى المعتزلة ، من حيث قضية اللغة لا الاصطلاح ، أن يسمى الانسان خالقا « ذلك أنّا لو خلينا وقضية اللغة ، لاجرينا هذا اللفظ على الواحد منا كما نجريه على اللّه تعالى ، لأن الخلق ليس بأكثر من التقدير ، ولهذا يقال ، خلقت الأديم . . . وقال زهير : ولأنت تفري ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفري وقيل للحجاج : إنك إذا وعدت وفيت ، وإذا خلقت فريت ، أي قدرت وقطعت . وأظهر من ذلك كله قوله تعالى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فلو لا أن الاسم مما يجوز اجراؤه على غيره وإلّا لتنزّل ذلك منزلة قوله : فتبارك اللّه أحسن الآلهة . ومعلوم خلافه . وأمّا في الاصطلاح فإنما لم يجز أن نجري هذا اللفظ على الواحد منا ، لأنه عبارة عمّن يكون فعله مطابقا للمصلحة ، وليس كذلك أفعالنا ، فإن فيها ما يوافق المصلحة ، وفيها ما يخالفها ، فلهذا لم يجز اجراء هذه اللفظة على الواحد منا لا لشيء آخر » 273 وهكذا يتحرّج المعتزلة بدورهم من اطلاق هذا اللفظ على غير اللّه ، وإن كانت اللغة تسمح بذلك . لا يختلف الأشاعرة مع المعتزلة في أن معنى الخلق هو التقدير ، وإن اختلفوا معهم في الاستدلال بهذه الآيات على جواز تسمية الانسان بأنه خالق « فعيسى عليه